محمد أبو زهرة
178
المعجزة الكبرى القرآن
فيذهب ، وللنفوس فتتقى الشح ، وهو عظة وهداية وتوجيه إلى العدل المطلق المنظم للأسرة في سلامتها وبقائها ، وفي فصلها وانتهائها ، وسبحان اللّه العليم الخبير . التشبيه في القرآن 105 - انتهينا إلى أن التشبيه في القرآن ليس هو مقياس البلاغة ، لأن البلاغة القرآنية العالية كما تكون في حال التشبيه والاستعارة والمجاز ، تكون أيضا في الكلام الخالي من كل هذا ، وأخص ما يكون ذلك في آيات الأحكام ، وقد يكون في القصص والاستدلال ، وغير ذلك مما نعرض له ، وقد تلونا آيات من آيات الأحكام ، وجدنا فيها النص الكريم في حقائقه ، وفي بعده عن كل المحسنات البديعية أعلى من كل كلام ، وهو بديع في ذاته من غير حاجة إلى البديع الصناعي ، أو الاصطلاحي ، فإنه فوق قدر البشر ، وفوق ما يصطنعه البشر ، وما يصطلح عليه العلماء ، وإنه يتعلم منه ، وإن كان لا يحاكى ، ويؤخذ منه ، وإن كان الوصول إلى مقامه غير ممكن . ولنتكلم الآن في تشبيه القرآن . لقد ذكر الرماني في رسالته ( النكت في إعجاز القرآن ) : « التشبيه : هو العقد على أن أحد الشيئين يسد مسد الآخر في حس أو عقل ، وإن ذلك التعريف يضع المشبه والمشبه به في مرتبة واحدة ، وإني لا أرى ذلك ، ولا يراه علماء البلاغة الذين جاءوا بعد أبي الحسن الرماني المتوفى سنة 386 ه - فإنهم يعرفونه بأنه جعل أحد الشيئين في مقام الشيء الآخر لأمر مشترك بينهما . وهو في ثانيهما أقوى مظهرا أو أبين مخبرا ، كما تقول علىّ كالأسد في الشجاعة ، فهو في الأسد أظهر ، ولا يمكن أن يقال : « إن أحدهما يسد مسد الآخر ، صورة ومعنى » . ولنترك التعريف مع رأينا فيه ، ولننظر في قوله من بعد ، فهو يقول : « وهذا الباب يتفاضل فيه الشعراء ، وتظهر فيه بلاغة البلغاء ، وهو على طبقات في الحسن ، فبلاغة التشبيه الجمع بين شيئين بمعنى يجمعهما ، والأظهر الذي يقع فيه البيان بالتشبيه على وجوه » ويذكر وجوه التشبيه وأنواعه فيقول في ذلك : « منها إخراج ما لا تقع عليه الحاسة إلى ما تقع عليه الحاسة ، ومنها إخراج ما لم تجر به عادة إلى ما جرت به عادة ، ومنها إخراج ما لا يعلم بالبديهة إلى ما يعلم بالبديهة ، ومنها إخراج ما لا قوة له في الصفة إلى ما له قوة من الصفة ، فالأول نحو تشبيه المعدوم بالغائب ، والثاني تشبيه البعث بعد الموت بالاستيقاظ بعد النوم ، والثالث تشبيه إعادة الأجسام بإعادة الكتاب ، والرابع تشبيه ضياء النهار » . ولا شك أن هذه الوجوه لا تشمل كل أقسام المقسم ، فمن التشبيهات ما ليس بوجه من هذه الوجوه ، كتشبيه غير الواضح بالواضح ، كما ترى ذلك في كثير من